الشيخ محمد رشيد رضا

39

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

1 ) العلم التام بما يدعون إليه - ذكر الأستاذ ذلك ولم يبينه هنا ، وقال في موضع آخران أول ما يجب على هؤلاء الدعاة العلم بالقرآن والعلم بالسنة وسيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء الراشدين رضى اللّه عنهم وسلف الأمة الصالح وبالقدر الكافي من الأحكام : فهذا شئ من البيان وهو في نفسه يحتاج إلى بيان وتفصيل أهمه ان العلم بالقرآن إنما ينظر فيه قبل كل شئ إلى كونه هدى وعبرة وموعظة على نحو تفسيرنا هذا ، وكذلك السنة وما صح من أقوال الرسول وسيرته وينظر في هذا أيضا إلى الفرق بين ما تواتر عملا وما صح سندا وما ليس كذلك 2 ) العلم بحال من توجه إليهم الدعوة في شؤونهم واستعدادهم وطبائع بلادهم وأخلاقهم أو ما يعبر عنه في عرف العصر بحالهم الاجتماعية وقد روى أن من أسباب ارتضاء الصحابة بخلافة أبى بكر كونه أنسب العرب وليس معنى كونه أعلم بالأنساب انه كان عنده كتاب « بحر الانساب » يراجع فيه وإنما معناه انه كان أعلمهم بأحوال قبائل العرب وبطونها وتاريخ كل قبيلة وسابق أيامها وأخلاقها كالشجاعة والجبن والأمانة والخيانة ومكانها من الضعف والقوة والغنى والفقر وما كان اقدامه - مع لينه وسهولة خلقه التي يعرفها له كل أحد حتى الإفرنج - على حرب أهل الردة الا لهذا العلم الذي كان به على بصيرة ، فلم يهب ولم يخف وقد خاف عمر وأحجم على شدته المعروفة على الكافرين والمنافقين أي خاف أن تضعف بمحاربتهم شوكة الاسلام . . . حتى قال أبو بكر « واللّه لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقاتلتهم عليه » : فهذه قوة العلم لا قوة الجهل وأقول إن العلم الخاص بحال من توجه إليهم الدعوة من هذه الوجوه لا بد أن يكون فرعا للعلم بهذه العلوم في نفسها وسأبين ذلك . 3 ) منا شئ علم التاريخ العام ليعرف الفساد في العقائد والاخلاق والعادات فيبنون الدعوة على أصل صحيح ويعرفون كيف تنهض الحجة ويبلغ الكلام غايته من التأثير وكيف يمكن نقل هؤلاء المدعوين من حال إلى حال . ولهذا كان القرآن مملوءا بعبر التاريخ .